ابن بطوطة

50

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

فيدخل منه القرّاء يقرءون بالأصوات الحسان وليس في معمور الأرض أحسن أصواتا بالقرآن من أهل شيراز ويقوم أهل الدار بالتّربة ويفرشونها ويوقدون السّرج بها فكأنّ الميت لم يبرح ، وذكر لي أنهم يطبخون في كلّ يوم نصيب الميت من الطعام ويتصدّقون به عنه . حكاية [ الفقيه الجواد ] مررت يوما ببعض أسواق مدينة شيراز ، فرأيت بها مسجدا متقن البناء جميل الفرش ، وفيه مصاحف موضوعة في خرايط حرير موضوعة فوق كرسي ، وفي الجهة الشمالية من المسجد زاوية فيها شباك مفتّح إلى جهة السوق ، وهنالك شيخ جميل الهيئة واللّباس ، وبين يديه مصحف يقرأ فيه ، فسلمت عليه وجلست إليه فسألني عن مقدمي ، فأخبرته ، وسألته عن شأن هذا المسجد ، فأخبرني أنه هو الذي عمّره ووقف عليه أوقافا كثيرة للقرّاء وسواهم وان تلك الزاوية التي جلست إليه فيها هي موضع قبره إن قضى الله موته بتلك المدينة ، ثم رفع بساطا كان تحته والقبر مغطّى عليه ألواح خشب ، وأراني صندوقا كان بإزائه ، فقال : في هذا الصندوق كفني وحنوطي ودراهم كنت استأجرت بها نفسي في حفر بئر لرجل صالح فدفع لي هذه الدراهم فتركتها لتكون نفقة مواراتي ، وما فضل منها يتصدّق بها ، فعجبت من شانه وأردت الانصراف فحلف عليّ وأضافني بذلك الموضع . ومن المشاهد بخارج شيراز قبر الشيخ الصالح المعروف بالسعدي « 157 » وكان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي ، وربّما ألمع في كلامه بالعربي ، وله زاوية كان قد عمرها بذلك الموضع حسنة ، بداخلها بستان مليح ، وهي بقرب رأس النهر الكبير المعروف بركن آباد ، وقد صنع الشيخ هنالك أحواضا صغارا من المرمر لغسل الثياب ، فيخرج الناس من المدينة لزيارته ويأكلون من سماطه ويغسلون ثيابهم بذلك النهر وينصرفون ، وكذلك فعلت عنده رحمه الله ، وبمقربة من هذه الزاوية زاوية أخرى تتّصل بها مدرسة مبنيتان على قبر شمس الدين السّمناني « 158 » وكان من الامراء الفقهاء ، ودفن هنالك بوصيّة منه بذلك .

--> ( 157 ) ولد سعدي حوالي سنة 580 1184 ، وقد توفي عن سن يجاوز المائة 691 1292 ، وقد فقد أباه في سن مبكرة كما تدل على ذلك قصيدة يقول فيها من جملة ما يقول : " إذا رأيت يتيما قد خفض رأسه في ذلة وانكسار فحذار أن تقبّل أمامه واحدا من أولادك الصغار فلقد كانت رأسي يعلوها تاج ذهبي عندما كنت أعيش هانئا في كنف أبي وكانت إذا حطّت ذبابة واحدة على جسدي اضطربت أذهان جملة من الناس خوفا من غضبي . . . ! " وهو صاحب الشّعر الآتي IV ، 290 - أدوارد براون : تاريخ الأدب في إيران ، تعريب : د . إبراهيم الشواربي ، مصر ، ص 669 سنة 1954 . ( 158 ) هو محمد بن الحسن بن عبد الكريم قاضي سمنان في خراسان ، رسائل رشيد الدين 27 - 29 .